سيد محمد طنطاوي
86
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : * ( وإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ ) * من قحط أو مصيبة في المال أو الولد ، * ( دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْه ) * أي : إذا نزل بهم الضر ، أسرعوا بالدعاء إلى اللَّه - تعالى - متضرعين إليه أن يكشف عنهم ما نزل بهم من بلاء . هذا حالهم عند الشدائد والكروب ، أما حالهم عند العافية والغنى وتفريج الهموم ، فقد عبر عنه - سبحانه - بقوله : * ( ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْه رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) * . و * ( إِذا ) * الأولى شرطية ، والثانية فجائية . أي : هم بمجرد نزول الضر بهم يلجئون إلى اللَّه - تعالى - لإزالته ، ثم إذا ما كشفه عنهم ، وأحاطهم برحمته ، أسرع فريق منهم بعبادة غيره - سبحانه - . وقوله - تعالى - : * ( إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) * : إنصاف وتشريف لفريق آخر من الناس ، من صفاتهم أنهم يذكرون اللَّه - تعالى - في كل الأحوال ، ويصبرون عند البلاء ، ويشكرون عند الرخاء . والتنكير في قوله - سبحانه - « ضر ، ورحمة » للإشارة إلى أن هذا النوع من الناس ، يجزعون عند أقل ضر ، ويبطرون ويطغون لأدنى رحمة ونعمة . واللام في قوله - تعالى - : * ( لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ) * هي العاقبة . أي : فعلوا ما فعلوا من الجزع عند الضر ، ومن البطر عند النعم ، ليكون مآل حالهم إلى الكفر والجحود لنعم اللَّه ، وإلى سوء العاقبة والمصير . ثم التفت إليهم - سبحانه - بالخطاب مهددا ومتوعدا فقال : * ( فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * أي : فتمتعوا - أيها الجاحدون لنعم اللَّه - بهذا المتاع الزائل من متع الحياة الدنيا ، فسوف تعلمون ما يترتب على ذلك من عذاب مهين . وقوله - تعالى - : * ( أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِه يُشْرِكُونَ ) * التفات